السيد حيدر الآملي
465
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
النّار ، لأنّهم ليسوا « بخارجين من النّار » « فلا يموتون فيها ولا يحيون » . فتتخدّر جوارحهم بإزالة الروح الحسّاس منها ، وثمّ طائفة يعطيهم اللّه بعد انقضاء موازنة المدد بين العذاب والعمل نعيما خياليّا مثل ما يراه النائم وجلده ، كما قال تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ [ النساء : 56 ] . هو كما قلنا : خدرها ، فزمان النضج والتبديل يفقدون الآلام ، لأنّه إذا انقضى زمان الإنضاج خمدت النار في حقّهم ، فيكونون في النار كالأمة الّتي دخلتها وليست من أهلها ، فأماتهم اللّه فيها إماتة ، فلا يحسّون بما تفعله النّار في أبدانهم ، الحديث بكماله ذكره مسلم في صحيحة ( صحيح مسلم ج 1 كتاب الإيمان ح 306 ) ، وهذا من فضل اللّه ورحمته .
--> عمل الإنسان وعقيدته اللّذان يصران نفس وجود الإنسان الباقي ، فالعذاب يبقى مع ببقاء الإنسان الّذي صار الكفر والعناد والنّفاق صورة ثانويّة وفصلا أخيرا له ، إلى الأبد . على أنّ هناك بعض النّاس موجود صار العناد والكفر والنفاق نفس وجودهم ، بحيث لن يريدون ان يتغيّروا وصار الكفر والعناد تمام وجودهم ، ولهذا لو يبقون في الدنيا إلى الأبد يبقون كافرا ، معاندا ، منافقا ، ولن يرجعون إلى الإيمان قطّ . والشاهد على ذلك من الآيات القرآنيّة ما يلي : قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ [ الشعراء : 136 ] . وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الأنعام : 28 ] . أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ [ المائدة : 41 ] . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [ النساء : 137 ] .